المصطفى شقرون
يُعد الطلاق من الظواهر الاجتماعية المتزايدة في المجتمعات الحديثة، وهو ظاهرة لها تبعات نفسية واجتماعية عميقة، لا تقتصر على الزوجين فقط، بل تمتد إلى الأطفال الذين يكونون غالبًا ضحايا غير مباشرين لانهيار الحياة الأسرية. فالأسرة هي الإطار الأول الذي يُشكل شخصية الطفل، ويزوده بالأمن العاطفي والتوازن النفسي. وعند انفصال الوالدين، تختل هذه المعادلة، وقد يترتب عن ذلك آثار سلبية تطال جوانب متعددة من حياة الطفل.
1. وصف الحالة موضوع الدراسة
اتناول في هذه الدراسة حالة طفل يُدعى “ياسين”، يبلغ من العمر 10 سنوات، يدرس في السنة الرابعة ابتدائي بإحدى مدارس اسفي ( تراب الصيني )يعيش مع والدته بعد طلاق والديه منذ سنتين. يزور والده في نهاية الأسبوع فقط. تم رصد حالته من خلال مقابلات مع والدته، وأستاذه في المدرسة، وملاحظات سلوكية في محيطه.
2. التأثيرات النفسية والسلوكية
لاحظت على الطفل علامات اضطراب عاطفي، كالحزن المفاجئ، قلة التركيز داخل الفصل، وبعض نوبات الغضب. يُظهر كذلك ميولًا للانزواء، ويصعب عليه التفاعل مع أقرانه. تقول والدته إنه كثير السؤال عن والده، ويشعر أحيانًا بالذنب كأنه السبب في الانفصال.
3. التأثير الدراسي والاجتماعي
شهد مستواه الدراسي تراجعًا ملحوظًا، بعد أن كان من المتفوقين. كما أبلغ الأستاذ عن صعوبة في الانضباط داخل الفصل، ومحاولات جذب الانتباه أحيانًا من خلال سلوكيات غير لائقة. داخل الحي، أصبح قليل اللعب مع الأطفال، ويفضل البقاء داخل المنزل مع أمه أو أمام الهاتف.
4. العوامل المساعدة على تجاوز الأزمة
رغم هذه الآثار، تظهر مؤشرات إيجابية في حال تم توفير دعم نفسي وتربوي للطفل. خلال ملاحظتي و من زاوية علم النفس أؤكد أن الحوار المنتظم، والتعاون بين الأبوين، ودعم المدرسة، يمكن أن يخفف من الآثار. كما أن إشراك الطفل في أنشطة فنية أو رياضية قد يفتح له مجالات للتفريغ العاطفي وإعادة الثقة بالنفس.
5. تحليل سوسيولوجي
من منظور علم الاجتماع، الطلاق ليس فقط قرارًا شخصيًا بل نتاج تحولات في بنية الأسرة والعلاقات الاجتماعية. التغيرات في القيم، والضغط الاقتصادي، وتغيّر أدوار الجنسين، كلها عوامل تُسرّع من انهيار العلاقات الزوجية. غير أن المجتمع لا يزال عاجزًا عن توفير نظام دعم قوي للأطفال المتضررين، ما يُحملنا مسؤولية مجتمعية أكبر.
و في الختام:
تؤكد هذه الحالة أن الطلاق لا ينهي فقط علاقة زوجية، بل يُحدث شرخًا في توازن الطفل النفسي والاجتماعي. فالأطفال ليسوا مجرد شهود على الانفصال، بل هم أكثر المتأثرين به. لذلك، يصبح من الضروري مرافقة الأطفال في هذه المرحلة الحساسة من خلال آليات تربوية ونفسية مدروسة. كما يجب أن يتحمل المجتمع بمؤسساته التربوية والإعلامية والقانونية دوره في التوعية والوقاية، حتى لا يتحول الطلاق إلى سبب دائم في صناعة جيل مضطرب.
تعليقات
0