المصطفى شقرون
يُعتبر الدين من أقدم الظواهر الإنسانية التي رافقت المجتمعات منذ نشأتها الأولى، وقد شكّل جزءًا أساسيًا من الوعي الجماعي والهوية الثقافية للشعوب. ومع تطور التاريخ، تنوعت صور التدين واختلفت أدواره من مجتمع إلى آخر، ومن عصر إلى عصر، حيث تداخل مع السياسة، والثقافة، والقانون، وحتى الاقتصاد. فما الذي تغيّر في موقع الدين بين المجتمعات القديمة والحديثة والمعاصرة؟
كيف تطور دور الدين ووظيفته في المجتمعات الإنسانية من القدم إلى العصر الحديث والمعاصر؟ وهل حافظ على مكانته كقوة موجهة للحياة العامة، أم تراجع إلى مجرد شأن فردي وروحي؟
في المجتمعات القديمة، شكّل الدين المرجعية العليا لكل مناحي الحياة. فالدولة كانت تُدار باسم الآلهة، والملوك يُقدَّسون ككائنات سماوية، وتُربط الظواهر الطبيعية بالرضى أو الغضب الإلهي. وقد تجسّد هذا بشكل واضح في الحضارات المصرية القديمة، والرافدية، والإغريقية، حيث كانت المعابد مركزًا للسلطة الروحية والسياسية.
أما في المجتمعات الحديثة، فقد بدأ الدين يفقد تدريجياً احتكاره للتفسير الكوني والاجتماعي، خاصةً مع عصر الأنوار والثورات العلمية. نشأ مفهوم “العلمانية” كمحاولة لفصل الدين عن الدولة، فبات الدين مسألة فردية، فيما تولت القوانين الوضعية تسيير الشأن العام. ومع ذلك، بقي الدين حاضراً في الضمير الجمعي، وله تأثير غير مباشر في السياسات والثقافات.
وفي العصر المعاصر، أصبح العالم أكثر تعقيداً، مما أعاد طرح الدين كفاعل رمزي في مواجهة العولمة، والأزمات الأخلاقية، وهشاشة القيم المادية. ظهرت حركات دينية جديدة، وبعضها متطرف، كما شهدنا أيضاً حوارات دينية متسامحة تسعى للتقارب بين الأديان. ومع وسائل التواصل، بات للدين حضور رقمي قوي، مما جعله أقرب للفرد لكنه في بعض الحالات عرضة للتحوير أو التوظيف السياسي والإيديولوجي.
لقد ظل الدين عبر العصور قوة حيوية تُعبر عن بحث الإنسان عن المعنى والطمأنينة، وإن اختلفت أشكاله ووظائفه. ففي حين مثّل في العصور القديمة سلطة مطلقة، خضع في العصور الحديثة لإعادة تموضع، ليعود في المعاصرة بشكل متجدد يتفاعل مع متغيرات العصر. يظل الدين، رغم كل التحولات، مرآة تعكس قلق الإنسان، وتساؤلاته الوجودية، وسعيه الدائم نحو الحقيقة.
تعليقات
0