المصطفى شقرون
الزمن ليس أرقام تتوالى في صفحات التقويم، بل هو قطار طويل يمضي بنا بين محطات متعددة، لكل محطة طعمها، واسمها، وذكرياتها. نولد فنركب، ونعيش فنمر، ونكبر فنتهيأ للنزول. وبين المحطة والأخرى، نختبر الأمل، الفرح، الحزن، والفقد. فكيف نعيش هذه الرحلة؟ وما الذي يجعل من كل محطة درسًا ومعنى؟
هل ندرك حقًّا أننا راكبون في قطار لا توقف له إلا بالنزول الأبدي؟ وهل نحسن العبور بين محطات الزمن دون أن نضيع المعنى أو ننسى الغاية؟
تبدأ الرحلة منذ الصرخة الأولى في محطة “الولادة”، حيث لا نملك خيارًا سوى الصعود. هناك، نستقبل الحياة ببكاء، بينما تفرح من حولنا الوجوه. نمضي بعدها إلى محطات الطفولة، حيث اللعب والسؤال، ثم إلى محطة “المدرسة” بكل ما فيها من اكتشاف وتشكُّل. تمر بنا محطات “الصداقة”، و”النجاح”، و”الفشل”، وأحيانًا “الخيانة”.
ثم نصل إلى محطة “الشباب” حيث الحياة تتسارع، والطموحات تكبر، والقلوب تخفق، ونحمل فيها آمالًا كبيرة، لكنها لا تخلو من المطبات. ثم تأتي محطات الأعياد والمناسبات كإشارات فرح في مسار متعب: عيد الفطر، عيد الأضحى، رمضان، الأعراس، ولادات، لقاءات. كلها تنبض بالدفء وتكسر رتابة الرحلة.
في كل محطة، نرى من ينزل: جد غادر، صديق رحل، أم ودّعت، فنوقن أكثر أن القطار لا يعود للوراء. والذين ما زالوا على متنه يتأملون، يبكون، ويبتسمون، يستعدون لدورهم في النزول، بصمت أو بانتظار.
تمر المحطات سريعة، كأنها لحظة، ويظل الركاب يتغيرون، أما القطار، فلا يتوقف.
رحلتنا على هذا القطار محدودة، مهما طالت، ومهما بدت زاهية. الذكي من استثمر في كل محطة، ونقش فيها خيرًا، وترك أثرًا. لأن النزول آتٍ لا محالة، فلنجعل من قطار الزمن سيرة جميلة، وذكرى طيبة، ومحطة نور في قلوب من يواصلون بعدنا الرحلة.
تعليقات
0